ابن كثير

136

البداية والنهاية

ليلة الجمعة عرج بالنبي * ليلة الجمعة أول رجب وهذا الشعر عليه ركاكة وإنما ذكرناه استشهادا لمن يقول به . وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك مستقصاة عند قوله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) فلتكتب من هناك على ما هي عليه من الأسانيد والعزو ، والكلام عليها ومعها ففيها مقنع وكفاية ولله الحمد والمنة . ولنذكر ملخص كلام ابن إسحاق رحمه الله فإنه قال بعد ذكر ما تقدم من الفصول : ثم أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - وهو بيت المقدس من إيلياء - وقد فشا الاسلام بمكة في قريش وفي القبائل كلها . قال : وكان من الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم عن [ عبد الله ] بن مسعود وأبي سعيد [ الخدري ] وعائشة ومعاوية وأم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنهم والحسن بن أبي الحسن وابن شهاب الزهري وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع في هذا الحديث ، كل يحدث عنه بعض ما ذكر لي من أمره . وكان في مسراه صلى الله عليه وسلم وما ذكر لي منه بلاء وتمحيص ، وأمر من أمر الله وقدرته وسلطانه ، فيه عبرة لأولي الألباب ، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق ، وكان من أمر الله على يقين ، فأسرى به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد ، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم ، وقدرته التي يصنع بها ما يريد . وكان عبد الله بن مسعود - فيما بلغني - يقول : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق - وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله ، تضع حافرها في موضع منتهى طرفها - فحمل عليها ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس ، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جمعوا له ، فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية : من لبن ، وخمر ، وماء . فذكر أنه شرب اناء اللبن ، فقال لي جبريل هديت وهديت أمتك . وذكر ابن إسحاق في سياق الحسن البصري مرسلا أن جبريل أيقظه ثم خرج به إلى باب المسجد الحرام فأركبه البراق وهو دابة أبيض ، بين البغل والحمار ، وفي فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه ، يضع حافره في منتهى طرفه ، ثم حملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته . قلت : وفي الحديث وهو عن قتادة فيما ذكره ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد ركوب البراق شمس ( 1 ) به فوضع جبريل يده على معرفته ( 2 ) ثم قال ألا تستحي يا براق مما تصنع ، فوالله ما ركبك عبد الله قبل محمد أكرم عليه منه . قال فاستحى حتى ارفض عرقا ثم قر حتى ركبته . قال الحسن في حديثه : فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى معه جبريل حتى انتهى به إلى بيت المقدس ، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ، ثم ذكر

--> ( 1 ) شمس به : يقال شمس الفرس : إذا لم يمكن أحدا من ظهره ولا من الاسراج والالجام ولا يكاد يستقر . ( 2 ) المعرفة : اللحم الذي ينبت عليه شعر العرف .